محمد حسين علي الصغير

21

تاريخ القرآن

ما كان يبدو على محمد في ساعات الوحي على هذا النحو الخاطئ من الناحية العلمية أفحش الخطأ . فنوبة الصرع لا تذر عند من تصيبه أي ذكر لما مرّ به أثناءها ، بل هو ينسى هذه الفترة من حياته بعد إفاقته من نوبته نسيانا تاما ، ولا يذكر شيئا مما صنع أو حلّ به خلالها ، لأن حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام العطل . هذه أعراض الصرع كما يثبتها العلم ، ولم يكن ذلك ما يصيب النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم العربي أثناء الوحي ، بل كانت تتنبه حواسه المدركة في تلك الأثناء تنبها لا عهد للناس به ، يذكر بدقة - غاية الدقة - ما يتلقاه ، وما يتلوه بعد ذلك على أصحابه ، ثم نزول الوحي لم يكن يقترن حتما بالغيبوبة الحسية مع تنبه الإدراك الروحي غاية التنبه ، بل كثيرا ما يحدث والنبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في تمام يقظته العادية » « 1 » . وفي ضوء ما تقدم يمكن أن نرصد في ظاهرة الوحي عملية إرسال واستقبال بوقت واحد ، إرسال بوساطة الملك المؤتمن ، واستقبال من قبل النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم المصطفى صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، يتم ذلك في حالة إدراك متماسكة ، يسيطر فيها الوعي والشعور والإحساس ، كما لو كان أمرا عاديا في يقظة حقيقية ، قبل الوحي ، وأثناء الوحي ، وبعد الوحي ، مهما صاحب عملية الوحي من شدة ووطأة ومفاجأة . فالوحي حقيقة خارجية مستقلة عن كيان النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم النفسي ، ولكنها لا تغير ذلك الواقع النفسي ، بل تزيده جلاء وفطنة وذاكرة ، ويمثل فيها النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم دور المتلقي الواعي من جهة ، ودور المبلغ الأمين من جهة أخرى ، لا يقدم ولا يؤخر ، ولا يغيّر ولا يقترح ، ولا يفتر ولا يتكاسل . ولقد كان ذلك بحق : « استقبالا من النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم لحقيقة ذاتية مستقلة ، خارجة عن كيانه وشعوره الداخلي ، وبعيدة عن كسبه أو سلوكه الفكري أو العملي » « 2 » . وليس من الضروري أن تتوافق هذه الظاهرة مع رغبات النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم الآنية ، أو تطلعاته النفسية الملحة ، فقد ينقطع عنه الوحي ، وقد يتقاطر

--> ( 1 ) ظ : بكري أمين ، التعبير الفني في القرآن : 19 . ( 2 ) المصدر السابق ، نفس الصفحة .